مدونة | الدكتور محمد طاهر صالح مدونة | الدكتور محمد طاهر صالح

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

الدكتور محمد طاهر صالح - دكتور جامعي حاصل على الدكتوراه في مجال إدارة الاعمال والتسويق من جامعة قناة السويس . مصر - مستشار دولي في مجال الاستيراد والتصدير من معهد منظمة التجارة العالمية - مستشار تحكيم دولي في مجال منازعات الاستثمار وحقوق الملكية الفكرية من جامعة القاهرة . مصر - عضو المستشارين العرب والدوليين في مجال عقود الملكية الفكرية والمنازعات المصرفية من المعهد الامريكي للتدريب والتنمية في مصر - خبير في إعداد درسات الجدوى وإدارة وتقييم المشاريع - خبير في مجال التحليل الاحصائي عبر برنامج SPSS

مفهوم أدارة الأزمة Crisis Management

 تعد الأزمة (Crisis) مفهوما" قديما" اصطلاحا" واستخداما" وتعني في اللغة العربية: الشدة والقحط ، وأزم عن الشئ أي أمسك عنه ، والأزمة الحمية ، والمأزم هو المضيق (الرازي ، 1979 :15) ، فيما يقصد بها في اللغة الإنكليزية تغير مفاجئ نحو الأفضل أو الأسوأ (البعلبكي ،1980 105) .

     يرتبط مصطلح الأزمة تاريخيا" بالطب لكونها لحظة تحول مصيرية بين الحياة والموت تحمل تغييرا" جوهريا" ومفاجئا" وتستدعي قرارا" حاسما" يؤثر في مجرى الأحداث ، ويكون عنصر الوقت أساسيا" في فاعلية القرار. لذا تسبب الأمراض التي تؤثر في القلب أزمة قلبية ، في حين لا يطلق مصطلح أزمة على أمراض اشد خطورة.

    والأزمة سياسيا" وعسكريا" هي اللحظة الفاصلة والحرجة بين السلم والحرب عند تأزم العلاقات بين الدول. إذ تنشأ الأزمة في ظل حالة من التوتر وضعف الثقة وعدم الاستقرار ، وتتراكم وتستمد أسبابها من صراعات الماضي التي تنسحب إلى نزاعات في الحاضر وزرعا" لبذور الانتقام في المستقبل بعد أن تنحل وتستبدل بعد انتهاء الأزمة، التحالفات القديمة بأخرى جديدة قائمة على كيفية التعامل قبل وإثناء الأزمة .

    والأزمة إداريا" هي " موقف يواجه متخذ القرار يفقد فيه القدرة على السيطرة عليه أوعلى اتجاهاته المستقبلية ، تتلاحق فيه الأحداث وتتشابك الأسباب بالنتائج" (الخضيري ، 1993 : 53) . وتغذي بعضها الأخر" أنها موقف غير اعتيادي جدا" يهدد أعمال وسمعة وصورة وعلاقات المنظمة ويضر بجمهورها " 
Falkheimer&Heide,2006:181).

     وهكذا تمثل الأزمة موقفا" غير اعتياديا" وغير متوقعا" شديد الخطورة والسرعة ذو أحداث متلاحقة، تتداعى فيه النتائج وتختلط أسبابها، يهدد قدرة الفرد أو المنظمة أو المجتمع على البقاء. وتمثل محنة ووقتا" عصيبا" لصعوبة اتخاذ قرار غير مألوف في ظل حالة من غياب المعلومات وعدم التأكد والمستقبل الغامض. الأ أن الأزمة لا تشمل التهديد (Threat) فقط أنما الفرصة (Opportunity) للتغيير كذلك . مما يجعلها مفهوما" معقدا" وغنيا" وجدليا" ذو متلازمة لفظية وطرفين متضادين ينبغي التوفيق بينهما وهذا ماذهب إليه (Morin,1976) ، في وصفه للأزمة اعتمادا" على المفهوم الجدلي الذي يجمع الفرصة والتهديد . إذ توصف الأزمة في نفس الوقت - جدول رقم (1)- بتأثيرات سلبية (التشويش، وعدم التنظيم، والصراع ، والإرباك ، والإجهاد المفرط الذي يقود إلى تصرفات طائشة )، وتأثيرات ايجابية 

( تعبئة وتماسك ، وتعاون ، وتكيف إلى البيئة ، والتعلم بالتجربة ). وهكذا تحول مفهوم الأزمة من وجهة النظر التقليدية التي تصفها كحدث يدمر أو يؤثر في المنظمة ككل ، إلى وجهة النظر الإستراتيجية ، بكونها لحظة حاسمة ونقطة تحول نحو الأفضل أو الأسوأ  -A decisive moment, a turning point for better or worse-(Diermeier 2004:2).  

- " يتوجه المنظور الإسلامي بقوة نحو البعد الايجابي للأزمة عادا" إياها منحة ربانية وفرصة للإصلاح وتقية النفس, وقد أخبرنا (الله سبحانه وتعالى) عبر آيات خالدة في القرآن الكريم وأحاديث الرسول الأعظم (ص) ومنها :

-  " وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ " (البقرة: 216). وهكذا تربط الرؤية الإسلامية النتائج النهائية للأزمة بالنفع الذي يعود على الإنسان وفق ضوابط وشروط معروفة .

- " ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون" (الأنبياء:53) ، أي الأختبار بالمصائب وبالنعم فننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط .                            

" عجباً لأمر المؤمن إنّ أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" حديث شريف . ذلك أن المؤمن يؤجر على استرجاعه وحمده وصبره على المصائب .          

 وتختلف الأزمة عن الكارثة (Disaster) بكونها تنشأ منها كما قد تسببها . وفي الوقت الذي ينظر فيه إلى الطوارئ (Emergencies) بأنها أحداث غير متوقعة ومحدودة تحدث بشكل نظامي لذا يمكن التنبؤ بها وكذلك التدريب عليها. فيما تكون الأزمة ذات طبيعة وحجم مختلفين ، إذ تمثل انهيارا" للهياكل المألوفة التي تمنح النظام السياسي والاجتماعي القائم شرعيته ، وتهدد القيم الجوهرية التي يرتكز عليها ، وكذلك وظيفة الأنظمة التي تديم الحياة ، مما يحتم التعامل الطارئ معها تحت ظروف من عدم التأكد العميق . بينما تنطوي الكارثة على فقدان الحياة  والمعاناة  والضرر الكبير والطويل الأمد للممتلكات والبنى التحتية ، أنها الأزمة ذات النهاية التعيسة  (It's a Crisis With a Bad Ending). في حين يتأثر الفرق بين الكارثة والنكبة (Catastrophe) بالميول الثقافية، فالكارثة في بلد قد تدرك على أنها نكبة في أخر. ومع ذلك توضع النكبة في النهاية الأبعد على مقياس يصف مستوى تهديد الأحداث وحجم نتائجها المحتملة .  

     تعرف النكبة على أنها الحدث الذي يمتلك الأحتمالية الأوطئ للتحقق ، ولكن متى مايحدث فأنه سيخلف أذى" مفاجئا" وكبيرا" جدا" ،ويبدو وكأنه منفصل عن دفق الأحداث السابقة له 
(
Boin & McConnell, 2007:51-52) .

     تمتاز الأزمة بعدة خصائص أهمها كل من الأتي :

-       المفاجأة العنيفة والمعقدة عند حدوث الأزمة، لما تحمله من تهديد خطير للوضع القائم.
-   السرعة في تتابع الأحداث ونتائجها ، مما يولد ضغطا" كبيرا" فيما يتصل بالوقت المتاح للتعامل مع الأزمة ، وعواقب وخيمة تصل إلى حد التدمير.
-       أهمية اتخاذ قرار سريع وحاسم ومبدع.
-       التشابك بين الأسباب والنتائج وبين مختلف قوى الأزمة المؤيدة والمعارضة ، مما يزيد من تعقيد الموقف الأزموي .
-   حالة من عدم التأكد نتيجة نقص المعلومات ، وقلة المعرفة ، ومن ثم ضعف القدرة على التنبؤ باتجاه حركة الأزمة ، مما يولد تشويشا" وغموضا" عاليا" وصعوبة بالغة في اتخاذ القرار واختيار البديل الأفضل.
-       سيادة حالة من التوتر والقلق والتشكك والإرباك والخوف من فقدان السيطرة.
-       نقطة تحول مصيرية تحمل جانبي التهديد والفرصة معا" .

. أسباب الأزمات

تساهم المعرفة بأسباب الأزمة في تحقيق استجابة صحيحة تتجلى في اتخاذ قرار فاعل وسريع، ولكل أزمة أسباب تنتج عنها أهمها: ( ماهر، 28-23:2006)

أ‌-     سوء الفهم : خطأ في استقبال وفهم المعلومات المتوافرة عن الأزمة نتيجة قلتها أو تداخلها.
ب‌-  سوء التقدير : أما بالشك في المعلومات أو أعطاء قيمة للمعلومات مبالغ فيها ، نتيجة الثقة الزائدة بالنفس.
ت‌-  سوء الإدارة: بسبب العشوائية أو الاستبداد الإداري أو عدم وجود أنظمة للعمليات الإدارية.
ث‌-  تعارض المصالح والأهداف: لاختلاف شخصية أو اهتمامات أو ميول أطراف الصراع، ومن ثم أهدافهم ووسائل تحقيقها.
ج‌- الأخطاء البشرية : ضعف قدرة ورغبة أطراف الأزمة على التعامل معها ، لغياب التدريب أو قلة الخبرة أو انخفاض الدافعية .
و- الشائعات : استخدام المعلومات الكاذبة والمضللة وفي توقيت ومناخ من التوتر والقلق يؤدي إلى الأزمة ، بسبب انعدام الحقائق لدى الجمهور أو تخبط المسؤوليين.
ز- اليائس : الإحباط أو عدم القدرة أو فقدان الأمل في حل المشكلات والذي يعزى إلى القمع الإداري أو التدهور في الأنظمة الإدارية .
ح- الرغبة في الابتزاز : تعريض متخذ القرار لضغوط نفسية ومادية وشخصية واستغلال أخطاءه من اجل صنع أزمة ، وكنتيجة لغياب الواعز الديني والأخلاقي .
ط- انعدام الثقة في الآخرين وفي المنظمة نتيجة الخوف أوالأستبداد أو عدم كفاءة الإدارة .
ك- الأزمات المتعددة : وتفتعل للتمويه على أزمات أكبر .

وترتبط الأسباب المستعرضة أنفا" بخصائص الإدارة، فيما يمكن أن تعزى الأزمة كذلك إلى خصائص تتصل بالمنظمة وببيئتها الداخلية، أو إلى عوامل تتعلق بالبيئة الخارجية المحيطة. فيما يعزي المنهج الإسلامي أسباب الأزمات إلى كل من الأتي:

-       البعد السلبي للأزمة:

  وتعكس عوامل ذاتية تمثل ذنوبا" ومعاصي بعضها خفي ، قد يرتبط بعلاقة الإنسان مع ذاته أومع الغير أو مع الخالق (عز وجل) والتي تكون سببا أساسيا" للأزمات التي تحيط بالإنسان ، وقد أشارت إليها آيات قرآنية وأحاديث شريفة لا حصر لها ، ومنها:
يقول الله تعالى: "أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (آل عمران: 165) ، وقال سبحانه: " مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ" "(النساء: 79).
- الفساد بشتى أنواعه ، يقول تعالى " إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ " (سورة المائدة33، وقوله تعالى"’ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " (الروم : 41)
الكفر بأنعم الله ، قال تعالى : " وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ " ( النحل: 112 ).
- الظلم ويمثل السبب المباشر لانهيارات الكيانات الاجتماعية سواء كانت منظمات  أم مجتمعات وهي من السنن الربانية ، إذ يقول الخالق سبحانه وتعالى:

 -" وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة" .(الأنبياء:11)
 وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ " . (هود:102)
 " فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ". ( الحج:45)
 "- هل يهلك إلا القوم الظالمون" . (الأنعام                                     (47: 
"-    
"-    وماكنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون "). القصص: 59)

    ويمثل الإهلاك هنا بالحوادث التي لا تهلك الديار، إذ يؤدي إلى هلاك المجتمع بالحوادث والفتن وتعجيل العقوبة، وقد أخبرنا الرسول الكريم (ص) أن (الله سبحانه وتعالى) قد حرم الظلم على نفسه في الحديث الشريف "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا."

لذلك كان الفناء والزوال مصيرا" محتوما" لكل من يستبدل السنن الاجتماعية الطبيعية في العدل والأنصاف التي تضمن البقاء والنمو بالظلم والتجاوز والإفساد، كما أن أهلاك القرى في الآيات الكريمة المتقدمة يعزى أسبابها إلى فساد وظلم النظام الكلي وليس الفرد فقط.

- البعد الايجابي للأزمة :

ويتمثل بإختبار وأبتلاء المؤمن بالأزمات والمحن الممحصة ، ويقول جل من قال : " أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " (العنكبوت : 2 – 3 ) , وفي قوله تعالى: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب (البقرة : 214)، وقوله تعالى " وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ " (الأنبياء :35) . وهكذا تبتلى الرسل بالأزمة والشدة ثم تكون لها النصر والعاقبة مع تعاظم الأجر والثواب.

 


عن الكاتب

Dr: Mohammed.taher

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

Translate

جميع الحقوق محفوظة

مدونة | الدكتور محمد طاهر صالح